
بعض اللقاءات لا تحتاج إلى سنوات حتى تترك في النفس أثراً عميقاً، وبعض الأشخاص قد تعبر بهم سريعاً في ممرات الحياة، ثم تكتشف بعد رحيلهم أن دقائق قليلة جمعتك بهم كانت تحمل من المعاني ما لا تحمله سنوات طويلة من المعرفة.
بالأمس، نعت الحركة الكشفية القائد الكشفي اللواء طيار أحمد عبداللطيف أحمد حسين، أحد رموز الكشافة الجوية المصرية، ورجلاً من رجالات الحركة الكشفية الذين تركوا خلفهم سيرة عامرة بالعطاء والبذل وخدمة الشباب والوطن.
رحم الله القائد أحمد عبداللطيف، فقد كان لي معه لقاء عابر، لكنه لم يكن عابراً في أثره.
التقيته على عجل، وأنا أدلف إلى مكتب رئيس الاتحاد العام للكشافة والمرشدات المصري، الدكتور خالد العيسوي، بغرض التنسيق وتحديد موعد للقاء كشافة ومرشدات الجالية السودانية بمصر مع الاتحاد، وكان برفقتي القائد عبدالعظيم محمود، المدير التنفيذي للاتحاد.
وفجأة بادرني بالسؤال:
هل أنت سوداني؟
أجبته: نعم.
فإذا بأساريره تتهلل، وابتسامته تسبق كلماته، وكأن كلمة “سوداني” فتحت أمامه باباً واسعاً من الذكريات والمحبة.
بدأ يسامرني عن السودان والكشافة السودانية، وراح يذكر أسماء عدد من قادة الحركة الكشفية السودانية، وكأنه يستعرض قائمة محفوظة عن ظهر قلب. لم يكن يعرف الكشافة السودانية معرفة عابرة، متحدثا عن محبة المصريين لأهل وشعب السودان ومايجمعهم أكثر بكثير من الكشفية فقط متابعاً لتاريخها ورجالها، حتى بلغ به الأمر أن ذكر القائد والإعلامي مصعب محمود، الأمر الذي جعلني أدرك أن الرجل لم يكن مجرد قائد كشفي مصري، وإنما كان يحمل في وجدانه معرفة ومحبة حقيقية للحركة الكشفية السودانية.
ثم انتقل حديثه إلى الحرب في السودان.
كان الألم واضحاً في صوته، والسؤال صادقاً في ملامحه: كيف تعمل الكشافة في ظل هذه الظروف؟ وكيف استطاعت أن تستمر في أداء رسالتها وسط هذا الخراب الكبير؟
وكان حديثه عن السودان يحمل وجعاً صادقاً، لا حديث المجاملة.
ثم دعا للسودان وأهله، وتمنى أن يعود الوطن إلى سابق عهده، بل أن يتجاوز ما كان عليه من تطور ونماء، وأن تتوقف الحرب، ويعود الأمن والسلام، ويستعيد السودان عافيته ومكانته.
وفي لحظة إنسانية جميلة، سألني عن اسمي.
قلت له:
عثمان أحمد عبداللطيف.
فضحك وقال لي:
“أنا أبوك يا ولد!”
ثم طفق يكرر الاسم، وكأنه يبحث عن صلة ما بين الأسماء، حتى وصل إلى الاسم الرابع كان متطابق تماما عثمان احمد عبداللطيف احمد يالها من محاسن الصدف ، فضحك أكثر.
كانت لحظة عابرة، لكنها بقيت في الذاكرة.
لم أكن أعلم أن ذلك اللقاء القصير سيكون هو اللقاء الأخير.
وكم هو مؤلم أن نؤجل بعض اللقاءات بحجة انشغالنا، وأن نقول لأنفسنا: سنلتقي مرة أخرى، ثم تأتي الحياة بما لا نحتسب، فيغيب من تمنينا أن نلتقيه، وتبقى في القلب حسرة “لو أنني عرفت أنها المرة الأخيرة، لأطلت الجلوس، ولقلت أكثر، ولأنصت أكثر”.
كنت أتمنى أن ألتقيه مرة أخرى، وأن أستمع إليه، وأن أحدثه عن الكشافة السودانية، وعن قادتها وشبابها، وعن أحلامنا في أن تستعيد الحركة الكشفية السودانية عافيتها، وأن تكون جسراً جديداً للمحبة والتواصل بين الشعبين الشقيقين.
لكنها الحياة…
تأخذ منا من نحب دون استئذان، وتترك لنا الذكريات، وبعض الكلمات، ونظرة، وابتسامة، ودعاءً لا ينقطع.
لقد فقدت الحركة الكشفية المصرية والعربية والعالمية برحيله قامة كشفية رفيعة، ورائداً أفنى جانباً كبيراً من حياته في خدمة الشباب والوطن والحركة الكشفية، وترك إرثاً من العطاء والتجربة والقيم سيظل حاضراً في ذاكرة من عرفوه وتعلموا منه وساروا على دربه.
وباسم مشاعر الحزن والتقدير، أتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى إخوانه وزملائه ورفاق دربه وتلاميذه ومحبيه، وإلى أسرة الكشافة الجوية المصرية، وإلى الاتحاد العام للكشافة والمرشدات المصرية، وإلى الحركة الكشفية في مصر والسودان والوطن العربي والعالم.
وأقولها من قلب سوداني عرف الرجل لدقائق، لكنها كانت كافية لأعرف معدن إنسان أحب السودان وأهله، وعرف قيمة الكشافة ورسالتها:
رحمك الله يا قائدنا أحمد عبداللطيف.
رحلت سريعاً كما كان لقاؤنا سريعاً، لكنك تركت في القلب أثراً لا يرحل.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل ما قدمه للشباب والكشافة والوطن في ميزان حسناته، واجزه عن عطائه خير الجزاء، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم ألهم أسرته ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
وسيظل دعاؤك للسودان، يا أحمد عبداللطيف، حاضراً في الذاكرة…
أن يتوقف نزيف الحرب، وأن يعود السودان آمناً، وأن يكون غده أجمل من أمسه.
وذلك، يا سيدي، دعاءٌ سنحمله معك إلى السماء، ونحمله للسودان في الأرض.



